الشيخ عبد الغني النابلسي

101

كتاب الوجود

وإذا لم يكن ثمة غير ذلك الوجود الحق الواحد القديم « 1 » ؛ فكيف بتصور الحلول ، وإنما سبب توهم الحلول منهم قصور إدراكهم وعدم معرفتهم بالأمر في نفسه ، فإنهم لما حكموا على الأشياء بالوجود وجعلوها متصفة به ؛ لأنهم أدركوها بالعقل والحس ، ووجدوا الوجود الحق الواحد الظاهر بها ومتجليا عليها ، فحسبوا أنه به وجودها ، وحكموا بأنه حادث مثلها ، وجعلوه وصفا لها ، ثم سمعوا العارفين يقولون : الوجود هو اللّه تعالى ، والأشياء كلها عندهم موجودات ، معقولات ومحسوسات ، وكونها موجودات عندهم أمر بديهي لا شبهة فيه لهم . فقالوا : يلزم أن يكون اللّه تعالى حالّا في الأشياء ، فلو تصوروا الأشياء خالية عن الوجود « 2 » ، ثم تصوروا كونها قائمة بالوجود لعرفوا معنى كلام العارفين ، ولكن اللّه تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ، وأما توهم الاتحاد « 3 » في كلام العارفين فقد سبق بيانه وبطلانه .

--> ( 1 ) يذهب ابن عربى إلى القول بأنه لا يوجد أي موجود وجودا حقيقيّا وأصليّا إلا الوجود الإلهى الوجود الحق ، والموجود المطلق الوجود ، ولا وجود لموجود آخر سواه ، فأينما نولى وجهنا فثم وجود اللّه الذي لا يوجد في مكان بعينه ، والذي لا يخلو منه مكان ، وهذا الوجود الإلهى ليس في حاجة إلى إقامة الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على إثبات وجوده ؛ إذ كيف يحق لك أن تستدل على الوجود من خلال الوجود ذاته ؟ [ شرح الفصوص ( 61 ) ] . ( 2 ) نظرية ابن عربى في وحدة الأديان ذهب فيها إلى أن الدين كله للّه ، وزاد عليه أن العارف المكمل هو من نظر إلى كل معبود على أنه مجل للحق يعبد فيه أنكر ما يعبد من الصور من حيث هي أعيان ، وعبد اللّه في تلك الصورة من حيث هي مجال يتجلى فيها المعبود الواحد الحقيقي ، ومن هنا كانت العبادة الباطلة هي أن يقف العبد عند مجل واحد يقصر عليه عبادته من دون بقية المجال ، ويتخذ من هذا المجلى معبودا يسميه إلها . [ انظر : التصوف الفلسفي الإسلامي ( 37 ) ] . ( 3 ) قال في المعجم الصوفي ( 11 ) : اتحاد أي تصير ذاتين واحدة ، وهو حال الصوفي الواصل ، وقيل : هو شهود وجود الحق الواحد المطلق من حيث معدومة في أنفسها ، لا من حيث إن لما سوى اللّه وجودا خاصّا به يصير متحدا بالحق ، تعالى الحق عن ذلك علوّا كبيرا ، وقيل : هو شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي لكل موجود بالحق ، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودا به معدوما بنفسه ، لا من حيث إن له وجودا خاصّا اتحد به ، فإنه محال . [ المعجم الصوفي ( 11 ) ، طبعة دار الرشاد ] .